التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي: ضرورة استراتيجية للشركات
مقدمة
إن التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي ــ التنوع الغني للحياة عبر الصحاري والسواحل والنظم البيئية البحرية ــ يشكل حجر الزاوية في المرونة البيئية والاقتصادية. وبالنسبة للشركات في المنطقة، لم يعد فهم وحماية هذا التنوع البيولوجي أمراً اختيارياً. بل أصبح أولوية استراتيجية تتماشى مع أهداف الاستدامة العالمية وأجندات رؤية مجلس التعاون الخليجي 2030.
ما هو التنوع البيولوجي؟
يشير التنوع البيولوجي إلى تنوع الأنواع النباتية والحيوانية، واختلافاتها الجينية، والنظم البيئية التي تشكلها. وفي دول مجلس التعاون الخليجي، يشمل هذا التنوع أشجار القرم والشعاب المرجانية والنباتات الصحراوية ومسارات الطيور المهاجرة. ويتكيف التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي بشكل فريد مع المناخات القاحلة، مما يجعله هشًا ولا يقدر بثمن.
لماذا يجب على الشركات أن تهتم بالتنوع البيولوجي؟
يدعم التنوع البيولوجي الأمن الغذائي والسياحة والموارد الطبيعية مثل مصايد الأسماك. تعمل النظم البيئية الصحية على تنظيم جودة الهواء، ومنع تآكل التربة، والحفاظ على دورات المياه. بالنسبة للشركات، يشكل فقدان التنوع البيولوجي مخاطر مثل تعطل سلاسل التوريد، وإلحاق الضرر بالسمعة، والعقوبات التنظيمية. وبالتالي فإن حماية التنوع البيولوجي تضمن توافر الموارد الطبيعية على المدى الطويل وتتوافق مع الالتزامات البيئية والاجتماعية والحوكمة.
كيف يمكن للشركات المساهمة في الحفاظ على التنوع البيولوجي؟
يمكن للشركات دمج التنوع البيولوجي في العمليات من خلال:
- إجراء تقييمات الأثر البيئي للمشاريع.
- اعتماد مصادر مستدامة (على سبيل المثال، تجنب الإفراط في صيد الأنواع البحرية).
- الاستثمار في استعادة الموائل، مثل إعادة زراعة أشجار المانغروف.
- الشراكة مع المنظمات غير الحكومية والمجتمعات المحلية لحماية الأنواع المهددة بالانقراض.
- اعتماد الحلول المستندة إلى الطبيعة لمعالجة الآثار السلبية للأنشطة التجارية
- الكشف عن المعلومات المتعلقة بالتأثيرات والمخاطر والفرص المتعلقة بالتنوع البيولوجي
- اعتماد نهج الحدود الكوكبية للحفاظ على التأثيرات السلبية للأنشطة التجارية ضمن الحدود الآمنة
التقارير التنظيمية بشأن التنوع البيولوجي
تتطور لوائح التنوع البيولوجي في جميع أنحاء العالم، كما تعمل حكومات دول مجلس التعاون الخليجي على تشديد لوائح التنوع البيولوجي لحماية التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي. وتفرض الاستراتيجية الوطنية للبيئة في المملكة العربية السعودية وأجندة الإمارات الخضراء 2030 الإفصاح عن تأثير التنوع البيولوجي. ويتعين على الشركات الآن أن تتوافق مع أطر إعداد التقارير العالمية مثل فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالطبيعة (TNFD)، ومبادرة إعداد التقارير العالمية (GRI)، ومعايير إعداد التقارير الأوروبية للاستدامة (ESRS) لضمان الامتثال والشفافية.
في هذا القسم، يتم تقديم مراجعة موجزة لتنظيم التنوع البيولوجي:
تي إن إف دي
تم إطلاق TNFD في عام 2021، وهو يوفر إطارًا مدفوعًا بالسوق لتقييم المخاطر والفرص المتعلقة بالطبيعة. تتوافق توصياته الـ 14 للإفصاح، والتي تتمحور حول الحوكمة والاستراتيجية وإدارة المخاطر والمقاييس، مع الهدف 15 من إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي (GBF)، والذي يدعو إلى إفصاحات شفافة للشركات حول تأثيرات التنوع البيولوجي. وقد التزمت أكثر من 500 شركة على مستوى العالم، بما في ذلك شركات دول مجلس التعاون الخليجي، بإعداد تقارير متوافقة مع TNFD.
مبادرة البحوث العالمية
تضع معايير GRI، وخاصة GRI 101: التنوع البيولوجي 2024، معيارًا عالميًا لإعداد التقارير عن التنوع البيولوجي. وقد تم تحديث GRI 101 بالتعاون مع TNFD، ويتطلب إفصاحات خاصة بالموقع، وشفافية سلسلة التوريد، والتوافق مع العوامل الخمسة لفقدان التنوع البيولوجي (على سبيل المثال، استخدام الأراضي، والتلوث) التي حددتها المنصة الحكومية الدولية للعلوم والسياسات بشأن التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (IPBES). تعمل خريطة التشغيل البيني لـ GRI مع TNFD على تبسيط إعداد التقارير المزدوجة، مما يقلل من التكرار للشركات.
ESRS
بموجب توجيه إعداد التقارير عن الاستدامة للشركات في الاتحاد الأوروبي، يفرض نظام ESRS إجراء تقييمات مزدوجة للأهمية (المالية والمتعلقة بالتأثير) للشركات التابعة للاتحاد الأوروبي وغير التابعة له العاملة في الكتلة. يتناول نظام ESRS E4 على وجه التحديد التنوع البيولوجي، ويطلب من الشركات الكشف عن التأثيرات على النظم البيئية والاعتماد على الموارد الطبيعية. يتم الإشارة إلى نهج LEAP الخاص بـ TNFD (تحديد وتقييم وتقييم وإعداد) في نظام ESRS، مما يساعد الشركات على تحديد المخاطر عبر سلاسل القيمة الخاصة بها.
تدفع هذه الأطر الشركات بشكل جماعي إلى:
- الإفصاح عن القرب الجغرافي من المناطق الحساسة بيئيًا.
- إشراك الشعوب الأصلية والمجتمعات المحلية في جهود الحفاظ على البيئة.
- تحديد أهداف علمية لاستعادة الموائل.
أصبحت أطر TNFD وGRI متناغمة بشكل متزايد. على سبيل المثال، تتضمن GRI 101 تعريفات TNFD للمناطق الحساسة بيئيًا وتتماشى مع منهجية تقييم LEAP الخاصة بها، والتي توجه الشركات في تحديد التبعيات والتأثيرات المتعلقة بالطبيعة. وبالمثل، تتداخل مقاييس TNFD الخاصة بالقطاع مع معايير GRI القطاعية، مما يتيح إعداد تقارير متماسكة.
وفي الوقت نفسه، يكمل ESRS إطار عمل TNFD من خلال إلزام الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي المصدرة إلى أوروبا بالإفصاحات التفصيلية عن التأثيرات على التنوع البيولوجي. ويتعين على الشركات في دول مجلس التعاون الخليجي المصدرة إلى أوروبا أن تتوافق مع ESRS E4، الذي يتطلب:
- تقييمات مفصلة لسلسلة القيمة.
- الإفصاح عن الأسباب المباشرة لفقدان التنوع البيولوجي (على سبيل المثال، الصيد الجائر في مياه الخليج).
- التواصل مع أصحاب المصلحة، بما في ذلك المجموعات الأصلية.
بالنسبة للشركات في دول مجلس التعاون الخليجي، فإن اعتماد هذه الأطر لا يضمن الامتثال فحسب، بل يضعها أيضًا في مرتبة قادة الاستدامة في منطقة حيث يشكل التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي محوريًا لخطط التنويع الاقتصادي.
نظرة عامة على التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي
ال مجلس التعاون الخليجي تتميز منطقة الخليج، التي تضم قطر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والكويت والبحرين وعمان، بمجموعة مميزة من التنوع البيولوجي المتكيف مع مناخها الصحراوي القاسي ومناظرها الطبيعية القاحلة. ويشمل التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي أكثر من 500 نوع من النباتات في جبال ظفار في عمان، وسكان خروف البحر في قطر، والتنوع البيولوجي البحري في الكويت. ومع ذلك، فإن التوسع الحضري وتغير المناخ والتلوث يهدد هذه النظم البيئية. ويسلط التعاون الإقليمي، مثل مبادرة الحفاظ على الحياة البرية في دول مجلس التعاون الخليجي، الضوء على الحاجة الملحة إلى العمل الجماعي.
لقطر
وفي قطر، تشمل النباتات المحلية شجرة الغاف (Prosopis cineraria) وشجرة السدر (Ziziphus spina-christi)، وكلاهما مقاوم لدرجات الحرارة القصوى. ومن بين الحيوانات، يبرز المها العربي (Oryx leucoryx)، وهو رمز لجهود قطر في الحفاظ على الحياة البرية، والسحلية ذات الذيل الشوكي (Uromastyx aegyptia).

الامارات العربية المتحدة
تستضيف دولة الإمارات العربية المتحدة أنظمة بيئية متنوعة، من المناطق الساحلية إلى المناطق الجبلية. تشتهر منطقة العين بأشجار النخيل (Phoenix dactylifera)، التي تعد بالغة الأهمية للاقتصاد المحلي. وتشمل الحيوانات البارزة الطهر العربي ( Arabitragus jayakari) وغزال الرمال ( Gazella marica ). كما تشارك دولة الإمارات العربية المتحدة بنشاط في حماية سلحفاة منقار الصقر ( Eretmochelys imbricata ) المهددة بالانقراض على طول سواحلها.
المملكة العربية السعودية
تدعم التضاريس المتنوعة في المملكة العربية السعودية أنواعًا فريدة من نوعها. ففي جبال عسير، تزدهر شجرة العرعر (Juniperus procera)، مما يوفر المأوى للنمر العربي (Panthera pardus nimr)، وهو نوع فرعي مهدد بالانقراض. كما تعد منطقة الربع الخالي موطنًا للجمل العربي (Camelus dromedarius)، الذي يتكيف تمامًا مع الحياة الصحراوية.
الكويت
تتأثر التنوع البيولوجي في الكويت ببيئتها الساحلية والصحراوية. فالشجيرة الصحراوية الشهيرة هالوكسيلون (Haloxylon salicornicum)، في حين تشمل الحياة البحرية في الخليج العربي حيوان الدوجونج (Dugong dugon). كما تلعب حديقة حيوان الكويت دورًا محوريًا في الحفاظ على الحياة البرية، حيث تؤوي أنواعًا مثل الثعلب الأحمر العربي (Vulpes vulpes arabica).
البحرين
تشمل التنوع البيولوجي البحري الغني في البحرين المحار اللؤلؤي الشهير (Pinctada radiata) والأطوم البحري. وتتميز نباتات الصحراء في الجزيرة بشجرة الطرفاء (Tamarix aphylla) وأنواع مختلفة من أشجار الأكاسيا. يعد الحجل العربي (Alectoris melanocephala) نوعًا بارزًا من الطيور في البحرين.
عُمان
تتراوح الموائل المتنوعة في عُمان بين الصحاري والوديان الخصبة والمناطق الساحلية. وتتمتع شجرة اللبان بأهمية ثقافية واقتصادية كبيرة. ومن بين الحيوانات، تبرز المها العربي والنمر العربي. ويُعد شاطئ رأس الجنز في عُمان موقع تعشيش مهم للسلحفاة الخضراء (Chelonia mydas).
باختصار، تضم دول مجلس التعاون الخليجي مجموعة رائعة من النباتات والحيوانات، كل منها تتكيف بشكل فريد مع بيئاتها وتستفيد من جهود الحفاظ عليها المستمرة.
تأثير الأعمال التجارية على التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي
يتأثر التنوع البيولوجي في منطقة مجلس التعاون الخليجي بشكل كبير بالعديد من الصناعات الرئيسية. وتعد صناعة النفط والغاز واحدة من أبرز الصناعات، مما يؤدي إلى تدمير الموائل والتلوث وتغير المناخ. كما يساهم قطاع البناء والتطوير الحضري في فقدان الموائل وتفتيتها، حيث يتم تحويل المناطق الطبيعية إلى مساحات حضرية. بالإضافة إلى ذلك، تعد الزراعة والصيد الجائر من العوامل الرئيسية، حيث تؤدي ممارسات الزراعة المكثفة إلى استنزاف موارد المياه والصيد الجائر الذي يعطل النظم البيئية البحرية.
العواقب السلبية لفقدان التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي
إن فقدان التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي له عدة عواقب سلبية:
- تعطيل خدمات النظام البيئي:يؤدي فقدان التنوع البيولوجي إلى تعطيل الخدمات البيئية مثل تنقية الهواء والمياه، وخصوبة التربة، والتلقيح، والتي تعتبر ضرورية لبقاء الإنسان ورفاهته.
- تفاقم تغير المناخ:تلعب النظم البيئية الصحية دوراً حاسماً في احتجاز الكربون وتنظيم المناخ. وقد يؤدي تدهورها إلى تسريع تغير المناخ، مما يؤدي إلى تفاقم الظروف الجوية المتطرفة.
- التأثير الاقتصادي:تعتمد العديد من الصناعات، بما في ذلك السياحة ومصائد الأسماك، على النظم البيئية الصحية. ويمكن أن يؤدي فقدان التنوع البيولوجي إلى انخفاض مخزونات الأسماك وتدهور المناظر الطبيعية، مما يؤثر على هذه الصناعات والاقتصادات المحلية.
- تهديدات الأمن الغذائي:يمكن أن يؤثر فقدان التنوع البيولوجي على إنتاج الغذاء من خلال تقليل توافر الملقحات ومكافحة الآفات الطبيعية، مما يؤدي إلى انخفاض المحاصيل الزراعية.
- المخاطر الصحية:يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع البيولوجي إلى زيادة انتشار بعض الأمراض، حيث تلعب النظم البيئية دورًا في تنظيم ناقلات الأمراض ومسببات الأمراض.
ويتطلب التصدي لهذه التحديات تضافر جهود الحكومات والصناعات والمجتمعات المحلية لتعزيز الممارسات المستدامة ومبادرات الحفاظ على البيئة.
أفضل ممارسات مبادرات التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي
وتوضح المشاريع التالية كيف يمكن للشراكات بين القطاعين العام والخاص أن تعمل على تعزيز التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي:
- المبادرة الخضراء السعودية: يهدف إلى زراعة 10 مليارات شجرة، واستعادة الموائل المتدهورة.
- حماية أشجار القرم في أبوظبي: يحمي 70% من غابات المانجروف في دولة الإمارات العربية المتحدة، مما يعزز امتصاص الكربون.
- محميات السلاحف في عُمان: تساهم مشاريع السياحة المستدامة في الحفاظ على مواقع تعشيش السلاحف البحرية المهددة بالانقراض.
الطريق إلى الأمام للتنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي
ويتعين على الشركات أن تتبنى أهدافاً علمية للتنوع البيولوجي وأن تستفيد من تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي لمراقبة النظم الإيكولوجية. ومن شأن دمج التنوع البيولوجي في استراتيجيات الشركات ــ من مشاريع الطاقة المتجددة إلى الحد من النفايات ــ أن يدفع عجلة الاستدامة الإقليمية. ويتعين على الحكومات والشركات أيضاً أن تعمل على توسيع نطاق برامج الحفاظ عبر الحدود لحماية الأنواع المهاجرة.
تتضمن الخطوات الرئيسية ما يلي:
- التوافق مع TNFD وGRI وESRS لتبسيط عملية إعداد التقارير.
- الاستفادة من خريطة التشغيل المتبادل TNFD-GRI لتجنب التكرار.
- دمج مقاييس التنوع البيولوجي في أطر الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية لجذب الاستثمارات الخضراء.
خاتمة
إن التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي يشكل أصلًا مشتركًا يتطلب رعاية عاجلة. وبالنسبة للشركات، فإن الاستثمار في الحفاظ على البيئة يشكل ميزة استراتيجية، حيث يضمن الامتثال للقواعد التنظيمية، وأمن الموارد، وقيمة العلامة التجارية. ومن خلال إعطاء الأولوية للتنوع البيولوجي، يمكن لصناعات دول مجلس التعاون الخليجي أن تقود جهود الاستدامة العالمية مع حماية التراث الطبيعي للمنطقة.
مصادر:
[1] التنوع البيولوجي
[3] إحصائيات التنوع البيولوجي في دول مجلس التعاون الخليجي
[4] الخطوات الأولية لدول مجلس التعاون الخليجي لمكافحة التصحر
[6] وزارة التغير المناخي والبيئة في دولة الإمارات العربية المتحدة: التنوع البيولوجي
[7] مبادرات الحفاظ على البيئة تثري التنوع البيولوجي الفريد في المملكة العربية السعودية
[8] فريق العمل المعني بالإفصاحات المالية المتعلقة بالطبيعة (TNFD)
[9] GRI: معيار موضوعي للتنوع البيولوجي
[10] ESRS E4: التنوع البيولوجي والنظم البيئية

